محمد بن زكريا الرازي
312
الحاوي في الطب
عملا جيدا منع أن يكون للحمى نوبة أخرى ، وإن كانت عظيمة لم يمكنه أن يحسم النوبة ، وإن كان في البدن أخلاط كثيرة لزجة لا حجة راسخة فليس يمكن أن تبقى هذه على حمى يوم ولكن تؤول في الأبدان التي مزاجها رديء إلى حمى عفن ضرورة وفي التي مزاجها جيد إلى سونوخوس التي من دم حلو أو من عفونة الأخلاط . وقال : إذا شرعت الحمى في انقضائها واستفرغ عند انقضائها من البدن بخار أو ندى أو عرق أو بول كثير مع علامة حسنة في النبض فهي حمى يوم بالحقيقة ، وليس إذا فقدت هذه العلامات فليست حمى يوم ، اللهم إلا أن يتبين في العروق علامة العفن ولكن ممكن أن يكون مما طال انحطاطها وانحطت بلا عرق ولا ندى ولا بول لأن الخلط الرديء لم يتحلل بأجمعه لكن بقيت منه بقية كثيرة وينبغي حينئذ أن تعين الطبيعة على استفراغ هذا الخلط الرديء إن احتمل السن والزمان وإن لم يكن الامتلاء ظاهرا فيه لأن الأجود أن يستفرغ جل ذلك الخلط الرديء ثم تأخذ في تفتيح السدد وتنقية المجاري والمنافذ وذلك لأن في الاستفراغ إخراج جل تلك الرطوبات التي لها تلك البخارات الدخانية ، وإن أردت تفتيح السدد قبل الاستفراغ لم تأمن أن تجرّ إلى المسام دفعة شيئا كثيرا فتتضاعف السدد لذلك فلا يؤمن الخطر ، فالأصوب أن تبدأ باستفراغ البدن ثم يفتح السدد ، فمتى رأيت في وقت ما أن النوبة الأولى عسرة الانحطاط كأنها تبقى لابثة وليس مع انحطاطها استفراغ ذو قدر يعتد به فلا تتوقف عن استفراغ البدن بإخراج الدم ولا تؤخره وأخرج منه بحسب القوة وبحسب عظم السدد وتعرف عظمها من عظم الحمى فإذا استفرغته فأعطه بعد وقت يسير شيئا مما يجلو ولأن الجلاء هي الفالخة « 1 » وهي حارة ينبغي أن تختار ما يصلح له ، والسكنجبين يصلح له لأنه يجلو جلاء قويا من غير أن يسخن ويقلع ما في المجاري والمسام ويفتحها ، والسكر أيضا يدخل في هذا الباب ، وماء الشعير وماء العسل ، فإذا فعلت ذلك فانظر كم مقدار ما ينقص من حرارة الحمى في النوبة الثالثة فإن رأيت الذي بقي منها يسيرا وليس في النبض علامة عفونة ولا في البول عدم النضج فأدخله الحمام قبل الوقت الذي ابتدأت فيه قوة الحمى في النوبة الأولى بخمس أو أربع ساعات أو أكثر ما أمكنك فهو خير ، وحسبك أن يكون بين خروجه من الحمام وبين الوقت الذي بدأت فيه النوبة الأولى ثلاث ساعات ويدلك ويمرخ باعتدال ويدلك بما ينقي بدنه كدقيق الكرسنة ودقيق الشعير ودقيق الباقلي يضرب بماء كثير وعسل مضروب بماء ونطرون ، فإن كان بين فراغه من الحمام وبين وقت النوبة زمان يسير فلا تطعمه شيئا خلا طبيخ الكرفس قليلا وإن كان طويلا فاغذه بكشك الشعير ثم انظر فإن جازت فحمه أيضا ثم اغذه ، وإن نابت فقسها أيضا بالنوبة المتقدمة وتفقد البول والنبض ، فإن رأيتها يسيرة وجميع أعراضها قليلة فاعلم أن الذي بقي من السدد قليل ، وأدخله في الرابع وثق بأنه لا يصيبه في الخامس نوبة ، وإن كانت النوبة شديدة فليست حمى يوم . وقد
--> ( 1 ) كذا في الأصل وفي نسخة : إلا أن الجلاء حارة يحتاج ، ولعله : لأن الجلاء حالة تحتاج .